فن
أخر الأخبار

أشعار الشطار والصعاليك.. قصائد اللصوص والسرّاق في الأدب العربي

تحتفي التقاليد الأدبية في أنحاء العالم ببعض اللصوص والخارجين عن القانون -الذين يتم تصويرهم أبطالا مثل روبن هود والصيني سونغ جيانغ وغيرهم- وتعد حكايات الخارجين عن القانون أحد المواضيع الرئيسية للأدب الإنجليزي في العصور الوسطى.

وفي التراث العربي عرف أدب اللصوص وقصائد السراق في عصر الجاهلية، وفي زمن العباسيين أطلق عليهم “العيارون والشطار”، وكانوا يعتبرون السرقة حرفة ويرون استيلاءهم على أموال الأغنياء عملا مشروعا باعتبارها زكاة مقدورة للفقراء.

أشعار اللصوص

عنيت الكتب والمصادر القديمة بجمع أشعار السراق، وألف أبو الحسن السكري كتاب “أخبار اللصوص”، وضم فيه أشعار المشاهير من اللصوص، لكن لم يعثر على أثر للكتاب إلا ما ذكره عبد القادر بن عمر البغدادي في مؤلفه “خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب” من إشارات إليه، وروي أن الجاحظ كتب “أخلاق الشطار” وذكره ياقوت الحموي في “إرشاد الأديب”، لكنه اختفى كذلك في العصور الحديثة.

ونقل ابن ميمون البغدادي، مؤلف “منتهى الطلب من أشعار العرب”، شعرا لشعراء اللصوص في كتابه، وفي “معجم البلدان” للحموي ذكر أخبار وأشعار مجموعة من اللصوص نقل أغلبها عن السكري صاحب الكتاب المفقود عن أخبار اللصوص وأشعارهم.

وكان “التصعلك” ظاهرة معروفة في المجتمع الجاهلي، وكتب الشعراء الجاهليون في مدح أخلاق الصعاليك بما فيها الشهامة والكرم، ورغم أن القبائل كانت تخلع أبناءها المتمردين وتتبرأ منهم، فقد شكلت ممارسة الطرد والتبرؤ ذاتها دافعا للمتمردين الصعاليك لمزيد من التمرد وكسب الرزق عن طريق الإغارة والنهب، وتبرأت قبيلة قيس الخزاعي منه وكان شاعرًا جسورا فانضم إلى الصعاليك.

عبد القادر بن عمر البغدادي ضمن مؤلفه "خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب" أشعار بعض اللصوص (الجزيرة)
عبد القادر بن عمر البغدادي ضمّن مؤلَّفه “خزانة الأدب ولبُّ لُباب لسان العرب” أشعار بعض اللصوص (الجزيرة)

ومن أشهر الشعراء الصعاليك تأبط شرا، وعروة بن الورد الذي تشبه سيرته روبن هود، إذ كان يغير على القبائل من أجل مساعدة الفقراء، وقال في إحدى قصائده:

إذا المرءُ لم يَبعثْ سَواما ولم يُرَحْ    عليه، ولم تَعطِفْ عليهِ أقارِبُهْ
فلَلمَوتُ خيرٌ للفَتى منْ حَياتِهِ          فقيرا، ومن موْلًى تدِبُّ عقارِبُهْ
وسائلةٍ: أينَ الرّحيلُ؟ وسائِلٍ      ومَن يسألُ الصّعلوك: أينَ مذاهبُهْ

أخلاق الصعاليك

وحملت حياة الصعاليك وجها مشرقا من المروءة والشهامة، وأكد بعض الشعراء الصعاليك حق الفقراء في أموال الأغنياء، وقال الشنفرى، وهو من كبار الشعراء الصعاليك:

وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى  وفيها لمن خاف القلى متعزل

وإذا كان بعض الشعراء اللصوص يعبرون عن مرارة الفقر والحرمان، فقد عرف آخرون بالإيذاء وقطع الطرق وارتكاب السرقة وحتى القتل بلا مبرر من جوع أو اضطرار، وتراوحت أغراض شعر اللصوص بين الهجاء والحنين وخوف السجون وحتى الرثاء والحكمة.

وفي كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني نقولات كثيرة من أشعار اللصوص، وفي ترجمة الأصفهاني ليعلى الأزدي يصفه بأنه كان شاعرا لصا من شعراء الدولة الأموية، وأضاف أنه كان لصا فاتكا خاربا يجمع صعاليك الأزد وخلعاءهم (الذين خلعتهم قبائلهم وتبرأت منهم) ليغير بهم على أحياء العرب ويقطع الطريق على السّابلة.

وشكا الناس أمره إلى والي مكة نافع بن علقمة فقبض عليه وحبسه، فكتب في محبسه شعرا جاء فيه:

 ألا ليت حاجاتي اللواتي حبَسْنَني     لدى نافعٍ قُضِين منذ زمانِ
وما بـيَ بُغضٌ للبـلاد ولا قِلًــى      ولـكنَّ شوقا في سواه دعاني

لصوص العرب

وخصص تقي الدين المقريزي في تاريخه فصلا في ذكر لصوص العرب، وذكر فيه اللصوص المشهورين ومنهم عمرو ذو الكلب، وتأبط شرا والسليك بن سلكة، والمنتشر بن وهب الباهلي وأوفى بن مطر المازني وغيرهم.

وتراوحت أغراض شعر اللصوص بين الهجاء والرثاء ووصف الناقة والفرس، والخمر والسيف والريح، واشتهر لهم أيضا شعر الغزل والمديح، وعرف شعر اللصوص بالجزالة والفصاحة والاندفاع واستمداد الألفاظ من البيئة المحيطة ومن الحياة البدوية التي عاشها معظمهم بحسب ديوان اللصوص في العصرين الجاهلي والإسلامي الذي جمعه الأكاديمي محمد طريفي.

كتاب الأغاني لأبو الفرج الأصفهاني ضم نقولات كثيرة من أشعار اللصوص (الجزيرة)
كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني ضم نقولات كثيرة من أشعار اللصوص (الجزيرة)

العيارون والشطار

وتصاعدت حركة الشطار في زمن فتنة الأمين والمأمون في العصر العباسي، وحاصرت جيوش المأمون بغداد ورَمتها بالمجانيق سنة 197هـ، وذكر المؤرخ ابن الأثير أنه عندما انقلبت الفتنة بين الأخوين حربا “نقّب أهل السجون وخرجوا منها، وفُتن الناس وساءت حالهم، ووثب الشطار على أهل الصلاح”.

ومعنى العيّار “كثير التجول والحركة” ويطلق لفظ الشطار على المتمردين الخبثاء من اللصوص الذين يعتمدون على الحيلة والقوة معا، ويسمى العيارون والشطار كذلك بالزعارة والحرافيش.

وأثناء زمن البويهيين تعاظم خطر العيارين مرة أخرى، وفي زمن السلاجقة ثار العيارون أيضا ونهبوا أموال الأغنياء والتجار، وكان ابن الأثير ساخطا على العيارين وما أحدثوه من خراب، رغم أن مؤرخين آخرين امتدحوا دفاعهم عن بغداد ووقوفهم مع الأمين ضد هجوم الموالي والمأمون على العاصمة العباسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Skip to content