اغلاق
اغلاق
التصويت

هل ستصوت للقائمة المشتركة ؟

نعم

لا

الرئيسية /

فلسطين أمانة والتطبيع خيانة ... زهير أندراوس...

2020-03-06 08:25:12

لا نُجافي الحقيقة بتاتًا، ولا نتجنّى على أحد إذا جزمنا بأنّ الـ"دول الخليجيّة"، هي في المُحصلّة العامّة محميات أمريكيّة-إسرائيليّة تعمل على مُعاداة كلّ توجّهٍ عروبيٍّ، لأنّ العروبة بمفهومها وسياقها التاريخيين، هي الوحيدة، التي تُشكِّل خطرًا إستراتيجيًا- وجوديًا على كيان الاحتلال الإسرائيليّ، وعلى المصالح الإمبرياليّة في الشرق الأوسط، وتُجاهِر بضرورة القضاء على الأنظمة الخليجيّة، التي هي الوجه الآخر للاستعمار والاستكبار، وللتذكير فقط فإنّ شعار "صراع وجود وليس صراع حدود"، هو من شعارات القوميين العرب، وبناءً على ما تقدّم فإنّ هرولة هذه الدول للتطبيع مع كيان الاحتلال، هو تحصيل حاصِل لأنظمةٍ لا تملك قرارها، بل تتلقّى الأوامر من الولايات المُتحدّة، والتطبيع في حالتنا هو إقامة علاقاتٍ بين دولٍ عربيّةٍ، تُعلن زورًا وبُهتانًا التزامها بالثوابت العربيّة والفلسطينيّة، وبين العدوّ الصهيونيّ، الذي زرع دولته على أرضٍ تابعةٍ للشعب العربيّ-الفلسطينيّ، أيْ أنّ شطب العداء بين الدول الخليجيّة وبين كيان الاحتلال الإسرائيليّ هو عمليًا اعتراف بشرعية هذه الدولة المارِقة، على الرغم من أنّها أُقيمت على أرضٍ عربيّةٍ تمّ سلبها في أخطر جريمةٍ اقتُرِفت في تاريخ البشريّة، وعمليًا، التطبيع هو التنازل الرسميّ عن فلسطين وعن جميع الثوابت والاصطفاف في مُعسكر أعداء أمّة الناطقين بالضاد .
*** 
ومن الأهميّة بمكان التشديد على أنّ التساوق في المصالح بين دولٍ خليجيّةٍ وبين واشنطن، ومن بعدها تل أبيب، يتجلّى واضِحًا في الموقف من حزب الله، فالولايات المُتحدّة وكيان الاحتلال يعتبِران حزب الله اللبنانيّ، الذي مرّغ في حرب لبنان الثانيّة، صيف العام 2006، أنف الاحتلال بالتُراب، يعتبِران حزب الله تنظيمًا إرهابيًا، وفي الوقت عينه اتخذّ "مجلس التعاون الخليجيّ" (أوائل آذار "مارس" 2016) قرارًا يرى في حزب الله مُنظّمةً إرهابيّةً، تمامًا مثل رأس الأفعى أمريكا وذيلها إسرائيل، وهذا التناغُم في المصالح بين الطرفين، واشنطن وتل أبيب من جهة ودول الخليج من الجهة الأخرى، ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج علاقة بين حاكمٍ ومحكومٍ، بين آمرٍ ومأمور، كما أنّ هذه العلاقة بين "السيّد" و"العبد"، هي تمامًا الجدليّة التي تحدّث عنها المُفكِّر الألمانيّ هيغل، حيث أنّ السيّد والعبد في تلك الجدلية متلازمان يتطلّب احدهما وجود الآخر، فلا سيّد بدون عبد، ولا عبد بدون سيّد! وهكذا يجد السيّد شعورًا بنفسه عبر الوعي بالذات كلّما أوغل في استهلاك نتاج العبد واظهر تفوقه وسيطرته عليه، كحالة تأكيد للجدلية، التي يُقابِلها النقيض (فقدان العبد لوعي ذاته). ويستمِّر تفوق السيّد على العبد عبر جدلية يُثبِت فيها السيّد نفسه أمام العبد وضده، في نفس اللحظة! وكلّما رضخ العبد بالقوة للحرمان والطاعة، حسب جدلية هيغل، كلّما اعترف أنّ السيّد هو السيّد، وهذا الاعتراف يكمل إعطاء السيّد فرصة الوعي بالذات في الشيء وغيره وفي العبد وغيره. لكنّ هيغل في جدلية السيّد والعبد يصل في النهاية وعند مرحلة التركيب في العلاقة بينهما إلى أنّه بقدر ما يُسيطِر السيّد على العبد فإنّ السيّد يرتبط بالعبد ارتباطًا يصعب الانفكاك منه، لأنّه لا يستطيع الاستغناء عن خدماته فيغدو السيّد تحت رحمة العبد، الذي يُصبِح سيّد السيّد. وارتباطًا بجدلية هيغل، تكمن المُعضلة في أنّ العبيد، وليس جميعهم، وَجَبَ التذكير، يصِلون إلى وضعٍ تُصبِح فيه العبوديّة ملاذهم الآمن والأخير، ومن هنا يُمكنِنا القول، لا الفصل، إنّ بعضهم الكثير، ونقصد من أبناء جلدتنا، يحملون المظلّات عندما تُمطِر السماء حريّةً.
*** 
وبما أنّ رئيس الوزراء الإسرائيليّ، بنيامين نتنياهو، حقق الإنجازات المُبهرة في عملية التطبيع مع دولٍ عربيّةٍ وإسلاميّةٍ، واستغلّ هذا النجاح في معركته الانتخابيّة، وسيُواصِل استثمارها بشكل وقحٍ وصلفٍ للغاية، إلّا أنّه يُمكِننا الجزم بأنّ التطبيع مع الدول العربيّة والإسلاميّة لم يجلِب للأصوات لحزب (ليكود)، ذلك لأنّ الشأن السياسيّ لم يكُن موضوعًا على الأجندة الانتخابيّة للبرلمان الصهيونيّ بتاتًا، وحتى "قضية العرب الأولى والمركزيّة" (!)، أيْ قضية فلسطين، لم تُطرَح ولم تُناقَش من قبل الرأي العّام في المجتمع الصهيونيّ خلال المعركة الانتخابيّة، وبالتالي فإنّ هذه القضية لم تُساعِد نتنياهو في الـ"فوز"، إذا جاز التعبير، بل ما أسهم في تحقيق الانتصار هو الارتفاع الحّاد في نسبة ومنسوب العنصريّة، هذا الارتفاع الذي يؤهِّل هذا الكيان الانتقال بسرعةٍ تفوق سرعة الضوء من حقبة العنصريّة إلى مرحلة الفاشيّة، إذْ أنّ استخدام مُجرِم الحرب، بيني غانتس، زعيم حزب (أزرق-أبيض) تعبير الأكثريّة اليهوديّة، هو تعبيرٌ واضِح وليس فاضِحًا عن عنصريته، علمًا أنّه مطلوب للعدالة في عددٍ من الدول الأوروبيّة بتهم ارتكاب جرائم حرب ضدّ الفلسطينيين في عملية (الجرف الصامِد)، أيْ العدوان الهمجيّ- البربريّ الإسرائيليّ على قطاع غزّة في صيف العام 2014، بالإضافة إلى جرائم ترقى إلى جرائم ضدّ الإنسانيّة.
*** 
نعيش هنا، أيْ في فلسطين، ونعرف أنّ الأمّة العربيّة، بسبب السواد الأعظم من الأنظمة التي تدور في فلك الثالوث غير المُقدّس: أمريكا، إسرائيل والرجعيّة العربيّة، تُواصِل التآمر على مصالِح الأمّة، الأمر الذي أوصلنا إلى حضيض الحضيض، ولكن حالة الذُلّ والهوان لن تستمّر، ونبقى على ثقةٍ كامِلةٍ بأنّ الشعوب العربيّة ستنتفِض وبقوّةٍ ضدَّ المؤامرات التي تحيكها أنظمة معينّة من أجل استيعاب كيان الاحتلال كلاعبٍ عاديٍّ، لا بلْ مركزيّ، في منطقة الشرق الأوسط، وهو الأمر الذي رفضته وما زالت ترفضه الشعوب العربيّة، وستبقى على موقفها، حتى استعادة فلسطين، كلّ فلسطين.  
 
 
 
 


للمزيد من مقالات

تعليقك على الموضوع