اغلاق
اغلاق
التصويت

هل ستصوت للقائمة المشتركة بانتخابات الكنيست ؟

نعم

لا

لا يعنيني

الرئيسية /

علمنة الوطن العربيّ ليست مُهمّةً مُستحيلةً؟ زهير أندراوس...

2018-11-16 07:12:49

"لو خيّروا العرب بين دولتين علمانيّة ودينيّة، لصوّتوا للدولة الدينيّة، وذهبوا للعيش في الدولة العلمانيّة" (علي الوردي) 
التاريخ لا يكذِب وجميع المُحاولات لإعادة كتابته مصيرها الفشل المحتوم. أوروبا كانت تئّن تحت حكم الكنيسة الكاثوليكيّة الرجعيّة والوحشيّة، التي لم تتورّع عن إطلاق العنان لمحاكِم التفتيش الإجراميّة، لقمع الشعوب والتفنّن باستبدادها، وارتكبت جرائم يندى لها الجبين من أجل تكريس هيمنتها، وبقيت القارّة العجوز تُعاني الأمرّين من هذا البطش الدمويّ حتى ثارت ثائرة الشعوب الأوروبيّة على طغيان الكنيسة، وكانت الثورة التي قادها (البروتستانت)، وهي كلمة لاتينيّة معناها الاحتجاج، ومنذ أنْ تمّ تحجيم دور الكنيسة الكاثوليكيّة، انتقلت أوروبا قاطبةً إلى الـ"عصر الذهبيّ"، وها هي اليوم ديمقراطيّات مُتقدّمة ومُتطورّة، بصرف النظر عن مواقفها المُنحازَة لدولة الاحتلال الإسرائيليّ، وبغضّ الطرف عن أنّ الكنيسة الكاثوليكيّة كانت وما زالت، ووفق كلّ المؤشّرات، ستبقى مؤسسةً رجعيّةً بامتيازٍ.
***   
هل التعصّب الدينيّ هو السبب المفصليّ، الذي فتح الباب على مصراعيه لاستباحة أمّة الناطقين بالضاد؟ هل عدم فصل الدين عن الدولة-السياسة، هو أحد الأسباب المركزيّة للهجمة الاستعماريّة الشرسة علينا بهدف تمزيقنا وتفتيتنا؟ قبل الإجابة على السؤال المطروح، نرى لزامًا على أنفسنا إجراء مقاربة أوْ مقارنة، أوْ الاثنتين معًا، بين الأمّة العربيّة وبين شعوب أمريكا اللاتينيّة، في محاولةٍ متواضعةٍ لوضع الأصبع على الجرح النازف: فلا يُخفى على أحدٍ، ولا يجب أنْ يُخفى على كائنٍ مَنْ كان، بأنّ شعوب أمريكا اللاتينيّة، ذاقت الويلات وعانت الأمرّين من أنظمة الحكم الفاشيّة والاستبداديّة، التي كانت مدعومةً قولاُ وفعلاً، ماديًا ومعنويًا من بلد الشياطين الجدد أمريكا، التي عملت بدون كللٍ أوْ مللٍ على تكريس هذه الحالة، لأنّها تصّب في مصالحها الإستراتجيّة والتكتيكيّة معًا، ذلك أنّ هذه الدول تقع في الساحة الخلفية لواشنطن. مُضافًا إلى ذلك، فقد لعبت الكنيسة الكاثوليكيّة، كعادتها، دورًا مُهّمًا في وأد الثورات، وهو موقفُ يؤكّد أنّها اصطفّت إلى جانِب أعداء الشعوب، وسار عارها عاريًا، وما زال.
***
لا نعتقد بأنّ النظم الحاكمة في تلك البلاد كانت أقّل استبدادًا وظلمًا بحقّ المواطنين من أنظمة الاستبداد العربيّة، ومع ذلك، أوْ قُل على الرغم من ذلك، تحقق المُستحيل، فقد ثارت ثائرة هذه الشعوب على الظلم والطغيان ونهب الثروات، وحاول الحكّام الاستعانة بأمريكا، وحاولت الأخيرة الاستنصار بعملائها ووكلائها في أمريكا اللاتينيّة لوقف هذا الطوفان الثوريّ، إلّا أنّ إرادة الشعوب لا تُدخِل إلى مُعجمها كلمة مُستحيل، وبالتالي واصلت تقديم الشهداء، الجرحى والأسرى من أجل التحرر ونيل الاستقلال الحقيقيّ، داخليًا وخارجيًا، وما هي إلّا سنوات، حتى انتصرت الإرادة الشعبيّة على الطاغوت الأمريكيّ وكنسته والحُكّام الذين يأتمرون بأمره من بلادها إلى غير رجعةٍ. 
*** 
وبما أنّ هذه الدول انتصرت على الباطل، فكان من الطبيعيّ أنْ تنتصر للضعفاء وللمُستضعفين على وجه هذه البسيطة، والأمثلة على ذلك كثيرة: أتذكرون البطل هوغو تشافيز، الذي أصبح عربيًا أكثر من العرب، وقطع علاقاته مع دولة الاحتلال بسبب ممارساتها ضدّ الشعب العربيّ الفلسطينيّ؟ أتذكرون كيف أمهل سفارة تل أبيب في كاركاس 72 ساعة لمغادرة بلاده بعد أنْ أعلن عن قطع علاقاته مع إسرائيل؟ أتذكرون أنّه قام بهذه الخطوات، في الوقت الذي كان فيه السواد الأعظم من الحكّام العرب يقومون بدور الخيانة والتخاذل والتواطؤ مع الـ"عدو الصهيونيّ". دولٌ في أمريكا اللاتينيّة تقطع علاقاتها الدبلوماسيّة مع إسرائيل، وفي الوقت عينه، حكّام العرب يستجدون هذه الدولة المارقة ويدّقون على أبوابها سرًا وعلانيةً للإجهاز على ما تبقّى من فلسطين؟ ويستقبلون رئيس حكومة إسرائيل والوزراء والوفود الرياضيّة بدون خجلٍ أوْ وجلٍ، لاعتقادهم بأنّ العروش المهزوزة، والمأزومة والمهزومة، لا تقدِر على مواصلة مسيرة التخلّف وتكريس الأميّة ومُعاداة الحضارة والعروبة، بدون أمريكا وحمايتها، والحماية تمُرّ عبر دولة الاحتلال. 
*** 
وهنا يتبادر إلى الذهن السؤال الأهّم باعتقادنا المتواضع: لماذا لم تتمكّن رأس الأفعى، أمريكا، من تأسيس وتشكيل تنظيماتٍ وحشيّةٍ وبربريّةٍ على شاكلة داعش؟ أوْ لنسأل بصورةٍ أكثر صريحة: هل لأنّ هذه الشعوب المسيحيّة-الكاثوليكيّة، على الرغم من أنّها متدينةً جدًا، قررت أنّ احترام الدين وتعاليمه لا يتناقض بالمرّة مع تطلعاتها إلى الحريّة والاستقلال؟ خلافًا لما يجري في الوطن العربيّ، حيث يتحالَف الـ"مُفكّر" مع الـ"مُكفّر" لإرهاب الشعوب؟ وأكثر من ذلك، لقد صدق مَنْ قال إنّ هناك بونًا شاسعًا بين أمّةٍ مشغولة بتفسير الأحلام وبين أمّةٍ تعمل على تحقيقها. 
***   
كإنسانٍ، كعربيٍّ، كفلسطينيٍّ وكعلمانيّ أؤمن إيمانًا قاطعًا بأنّ هيمنة الخطاب الدينيّ المُتشدّد والأصوليّ على الأجندة العربيّة، ولا نقصد الدين الوسطيّ والمُتسامِح، أعادنا سنوات إلى الوراء، وجاء على حساب تقهقر الخطاب القوميّ العربيّ الوحدويّ، وبالتالي نجزِم أنّه بدون فصل الدين عن الدولة-السياسة، لا أمل لهذه الأمّة من النهوض. ولا غضاضة من التذكير بمقولة طيّب الذكر، د. جورج حبش: "لسنا ضدّ مَن يقتدي بالدين، لكننّا ضدّ التطرّف الدينيّ". فيما أرسى خليل السكاكيني، ‏أحد روّاد القوميّة العربيّة، مقولته المأثورة إنّ "الإسلام أضرّ بالعرب، كما أضرّت النصرانيّة بالغرب. مَنْ يُراقِب تطوّر الأمم يرى أنّ الأمم تسير من الدين إلى الأدب إلى العلم، ويظهر أنّ الغرب في دوره الثالث، وأمّا الشرق فلا يزال في دوره الأوّل".
 


للمزيد من مقالات

تعليقك على الموضوع