اغلاق
اغلاق
التصويت

مناقصة ادارة اعدادية ترشيحا...من تفضل ان يكون مدير المدرسة ؟

ابن البلد

من خارج البلد

لا يعنيني

الرئيسية /

البطل في ترشيحا...مقال لاشرف برهوم...

2018-05-09 11:54:04

أستهلّ كلماتي بالتّحيّة والتّقدير للممثّل الزّميل والمخرج الواعد ابن ترشيحا هنري أندراوس، ولمجموعة المسرح الرّائعة تحت إشرافه، كما وأيضًا لمؤسّسة بيت الفنّ، المعرفة والثّقافة – ترشيحا على دعمها وتبنّيها لطفرة المسرح الجديدة في البلدة، بما أبدعوه جميعهم في إنتاجهم المسرحيّ الأخير بعنوان "البطل" والذي أُنتج وعُرض مؤخّرًا في قاعة المركز الجماهيريّ. "البطل" الّذي هو الإنتاج الثّاني بعد عمل "السّباق" حيث كان فاتحة مسيرتهم في السّنة الماضية، والّذي كان قد لاقى هو أيضًا إقبالًا طيّبًا. كلّ ذلك ودون نسيان ما يقدّمه هنري من مجهود مبارك في عمله في البلدان المحيطة أيضًا مثل معليا، مع ما فيها من خامات ومواهب متميّزة هي الأخرى، ما يشير الى بدايةٍ مسرحيّة واعدة وإيجابيّة في جليلنا الحبيب.
 
"البطل"، هذا العمل المسرحيّ المحلّيّ، يتناول تجارب حياتيّة ذاتيّة لعشر شخصيّات، هم الممثّلين أنفسهم، حيث يقدّم كلّ ممثّل منهم على المسرح خلاصة معاناته مع مجتمعه المحيط، وذلك بقالب عرضيّ بسيط، مُثير ومُؤثّر، على أنّه وإن كان هذا العمل يُصَنَّف في خانة مسرح الهواة، وذلك لقلّة خبرة المشاركين، إضافةً لشُحّ الإمكانيّات والعناصر المسرحيّة، كالمساحة العرضيّة، الإضاءة والدّيكور، وأيضًا بكون العمل يعتمد الحالة الشّخصيّة للممثّلين ويقدّمها من خلال التّوجّه التّجريبيّ، ما يعني أنّ أعمالًا مثل هذه لا تُكتب، ولا تُنَفّذ وفق القواعد المسرحيّة المعهودة والضّامنة بالأكثر تكامله المهنيّ، ما يجعل مسرحية "البطل" تستدعي بعض المعالجة الدراميّة في المبنى، من ثمّ التّوظيف الأوضح والأنجع في طريقة الانتقال من مشهد إلى مشهد، كما وتستدعي أيضًا تدقيقًا أفضل في حركة الممثّلين على المسرح، على أنّني أشير إلى ذلك مع درايتي الكافية لظروفنا المعقّدة نحن الممثّلين والمخرجين في مسيرتنا الإنتاجيّة الإبداعيّة، حيث نواجه تحدّيات كثيرة تصعّب من عملنا وتحدّ من بلوغه إلى المستوى المهنيّ المتكامل، فالمخرج منّا مثلًا، كثيرًا ما يجد نفسه يقود المسيرة الإنتاجيّة والابداعيّة وحده، من دون وجود العناصر الفنّيّة الّتي تُسهِمُ معه في تطوير العمل ورفعه إلى أرفع المستويات، فيحتكم بالتّالي إلى القيام بالمهامّ جميعها منفردًا بلا سند، ناهيك عن أنّنا نفتقد للبيئة الفنّيّة المُغذّية والدّاعمة لتطوّرنا، وذلك بحكم أنّ بلادنا تفتقد أصلًا إلى مسارح حقيقيّة جديرة باحتوائنا وتطويرنا، بل ونفتقد إلى حركة ثقافيّة نيّرة ومؤثّرة كقاعدة أساسيّة.  
 
ومع ذلك، فلا شكّ في أنّ مسرحيّة "البطل" هي مسرحية ناجحة؛ وهذا يعود بالمقام الأوّل إلى هنري، حيث أنّه أصاب في اختيار الموضوع الذي يتلامس مع كلّ شخص في مجتمعنا بالمستوى المبدئيّ؛ ففكرة المسرحيّة قَيّمة وراقية في أصلها، من ثمّ فإنّ أسلوب هنري في التّعامل الإخراجيّ مع الطّاقم كان ناجعًا، واستطاع، بتوجيهه السّليم، نسج أواصر الترّابط في المجموعة، كلًّا مع فكرته الخاصّة أوّلًا، ومن ثمّ كلّ شخص مع الآخر، ليختتم كلّ ذلك في تناغم رائع مع الجمهور. 
هنري،  بحدسه الطبيعيّ وصدقه، بروحه الخلّاقة والكوميديّة، نجح بامتياز في أن يستنبط من كلّ شخص داخل المجموعة قضيّة علاقته المركّبة كفرد مع المجتمع المحيط، ليترجمها إلى مواقف إنسانيّة دراميّة ذات طابع مؤلم وساخر في ذات الوقت، مما جعلني كمشاهد في حالة تردّد ما بين الاغتمام والضّحك في ذات اللّحظة، إضافة الى أنّه استطاع أن يدفع هؤلاء الممثّلين الهُواة، والّذين لا تجربة لهم في التّمثيل المسرحيّ، إلى أن يَتحدّوا أنفسهم ويُفكّكوا دواخلهم في سبيل خوض التّجربة المسرحيّة بجرأة وشجاعة، ما ساعدهم ومَكّنهم كطاقم من تمرير المواقف الدراميّة بطريقة واضحة، مقنعة وقويّة، ليكون كلٌّ منهم بطلًا بوقفته وإطلالته على المسرح، وفي معايشته لقضيّته الإنسانيّة الذاتيّة، وبالتّالي ليتسنّى لكلٍّ منهم، وللجمهور أيضًا، أن يعيد النّظر في مسألة وجوده الطبيعيّ في واقعنا، ومن ثمّ ليثبته رغم التّحدّيات. 
فهمي حدّاد، ميرا دكور، فادي ناصر، أمل خميسة، فداء دكور، ريم خوري نحاس، سوار محمود، ربيع دكور، هيا دكور وشادي أبو عقصة. جميعهم يستحقّون التّقدير، بما قدّموه من صدق وتلقائيّة أصيلة، مع التّشديد فوق كلّ شيء، على قيمة التّنوّع لهذه المجموعة الرّائعة، الّتي هي بذاتها إحدى أرقى القيم في هذا العمل، حيث استطاعت هذه المجموعة أن تقدّم بحضورها إشعاعًا إنسانيًّا وفنّيًّا جديرًا بمحاكاة وجدان الحاضرين، ومُحفّزًا لتفاعلهم مع المواقف التّمثيليّة المؤثّرة، كيف لا، وقصص هؤلاء الممثّلين هي انعكاس صادق وحقيقيّ لحالنا كأفراد؟!، وتحديدًا في جزئيّة تعاملنا مع مجتمعنا في ترشيحا، بل، وفي المجتمعات الأخرى أيضًا، ذلك أنّها تعرض بجوهرها قصصنا جميعًا، مواجعنا وتحدّياتنا، كوننا نحيا في بوتقة واحدة ونعاني من ذات القضايا.
 
خلاصة القول: إنّ مسرحيّة "البطل" قامت بقفزة نوعيّة نحو الأمام، عمل مميّز ومُتميّز يحمل شحنة نيّرة بتجمّع خاماته ومواهبه الواعدة المتنوّعة، وبقيادة هنري الواعية لهذه المجموعة، لا أستطيع سوى التفاعل معهم والتّعبير عن كلّ التّقدير لهذه الطفرة المسرحيّة التجديديّة الشجاعة من غياب مسرحيّ دام سنين، أضف الى ذلك أنها تمتلك كلّ المقومات والمقدرة على التّأثير في بلدتنا، وفي محيطها الواسع. 
 
على أنّني أهيب بمن يعنيه أمر الثّقافة والفنّ في بيئتنا على تشجيع بقائها، والمساهمة في دعم هذه البداية المباركة حتّى تنمو أكثر وأكثر، لأنّنا بحاجة ماسّة إلى مسرح فاعل وصادق، يحاكي حالاتنا وقضايانا ويفسح لنا المجال لرؤية أنفسنا من جديد، ومن زوايا مختلفة، نعم، نحن في أمسّ الحاجة إلى استمرار هذه المجموعة المسرحية، على أمل أن نمضي من ذلك قدما، وبصورة تدريجية نحو مسرح مهنيّ جليليّ محترف ومُشرّف.
 
وكما أنّ المسرح يستدعي منّا التّجاوب والدّعم، كذلك المشاريع الثّقافيّة البنّاءّة المتنوّعة الأخرى، والأجسام الثّقافيّة القَيِّمة عليها، والّتي أخذت على عاتقها هذا الشّأن في ترشيحا، وذلك في ظلّ تحرّك ثقافيّ تلقائيّ يتمّ في توقيت ومرحلة كونيّة معقّدة، حيث باتت قضايا وجودنا عالقة في شبكة من التّحدّيات والصّراعات المتنوّعة، وعليه فإنّ أجسام مثل: مؤسّسة بيت الفن، المعرفة والثّقافة – ترشيحا، مدرسة الفنّ التّشكيليّ وراعيته الفنّانة الزّميلة سيسيل كاحلي، مدرسة الرّقص "ستيب أب وراعيته الفنّانة ليزا أندراوس، معهد كاترين للموسيقا وراعيه الموسيقيّ د. تيسير حدّاد، معهد اللّغة الإنجليزيّة وراعيته المربّية ريم خوري نحّاس، والحركة الكشفيّة خاتمة الأجسام  المُقامة بإدارتها وعنها المربّية وفاء نحّاس، كلّ هذه الأجسام الّتي نراها تعمل في بيئتنا ومجتمعنا بصدق ونشاط، سعيًا منها لتحقيق التّأثير الإيجابيّ في مجتمعنا ولرفع الوعي الفنّي الثّقافيّ من خلال تفعيل الأبعاد الثّقافيّة الفنية والاجتماعيّة، كلّها تحتاج إلى تشجيع دائم ومُستمرّ لأنّها هي القادرة على التّأثير الإيجابيّ في حياتنا وحياة الأجيال النّاشئة..
 
ولا يفوتنا التّشديد على الدّور التّربويّ البديهيّ لمدارسنا أيضًا بإداراتها ومعلّميها، والدّور الأساسيّ للأهل في تنشئة أولادهم وتدريبهم على المشاركة الفعّالة في الأنشطة الفنّيّة والثّقافيّة المختلفة، وانخراطهم فيها كنهج حياة سليم ونيّر. على أنّه يجب ألّا ننسى الأطر الرّياضيّة الفاعلة أيضًا، والّتي من الضّروريّ إنعاشها وتعزيزها في أسرع وقت ممكن، لأنّها هي أيضًا عنصر جامع وقادر على التّأثير قدمًا من أجل تعزيز علاقاتنا الإنسانيّة والحفاظ علينا كمجتمع سليم ومبدع، ما يؤهّلنا لمواجهة الكثير من التّحدّيات والظّروف المهدِّدة لاستمرارنا، كالفراغ والتّقوقع في "الرّوتين" الفكريّ والحياتيّ: العنف، المخدّرات المستشرية، العنصريّة، حالة الاغتراب بين الأجيال، الإحباط، فقدان التّرابط الاجتماعيّ العام وتفكّك نسيجه، فقدان القيم الإنسانيّة الأساسيّة، وغير ذلك الكثير من التّهديدات والمخاطر!
 
من هنا، أتأمل من المعنيّين الغيورين الّذين تهمّهم حالة هذه البلدة، في هذه المرحلة بالذّات، متابعة المجريات على السّاحة، من ثمّ المساهمة في فتح الحوار والتّعاون والسّعي لإيجاد القواعد المشتركة بين المؤسّسات جميعها لاستثمار الفرص السّانحة.
 
 إنّ امتلاكنا نحن في ترشيحا مثل هذه الخامات والمواهب الجديرة والمتميّزة ليس أمرًا عبثيًّا، ولا أمرًا مفهومًا ضمنًا، وعليه فلنرتفع إلى مستوى التّحدّيات ولنترسّخ في القيم النيّرة والبنّاءة، منطلقين بحرص وغيرة وبدوافع نقيّة وصادقة نحو بلوغ أهدافنا السّامية والنّقية... 
 
مع خالص المحبّة لترشيحا الوَلّادة مبعث الفخر... والقادرة يقينا تحقيق التّغيير... 
 
أشرف برهوم
 
 
 


للمزيد من مقالات

تعليقك على الموضوع