اغلاق
اغلاق
التصويت

هل انت راض من خدمة بلدية معلوت ترشيحا؟؟؟

نعم

لا

لا يعنيني

الرئيسية /

راعٍ رعيّةٌ وقطيع ... د.حاتم عيد خوري...

2017-09-28 23:04:23

شاركتُ في مطلع الثمانينات في ندوة عقدتْها مجموعة من الطلاب الاجانب الذين كانوا آنذاك، يعدّون رسالة الدكتوراة في جامعة لندن، والذين ارادوا الانكشاف على المجتمع المحليّ وربما الاصح، الولوج اليه من بوابته العريضة، من خلال تقديم انفسهم للجمهور وعرضِ عناوين ابحاثهم وكشفِ تطلعاتهم من وجودهم في جامعة لندن بالذات...
عندما حان موعدُ مداخلتي، دعاني عريف الندوة الى المنصّة، مقدِّما إيّاي دونما تنسيقٍ مسبق معي، كما يلي: "حاتم خوري طالب عربي فلسطيني من اسرائيل". مع ان الندوة لم تكن سياسية إنما تربوية اجتماعية، فإن كلمة "فلسطينيّ" قد اثارت حفيظة احدِ الجالسين في القاعة، فسمعتُه وانا في طريقي الى المنصة، يقول باحتجاج: "ما هذه فلسطين؟! لا يوجد فلسطين ولا شعب فلسطيني". رأيتُ العريف يهمّ بالردّ عليه، فطلبتُ منه(اي العريف) ان يترك لي الردّ.
وقفتُ على المنصة وقد تمالكتُ جيدا اعصابي، وقلتُ بهدوء للجمهور الغفير الذي غصّت به القاعة: "أنا فعلا من اسرائيل واحمل جواز سفر اسرائيلي ولا احمل جوازا غيره، وبالتالي فانا مواطنٌ اسرائيليّ". سكتُّ لبضع ثوانٍ وانا اجيل بصري بين الناس، والمس الهدوء الذي اكتنف القاعة، قبل ان اتابع حديثي قائلا: "إن حقيقة كوني مواطنا اسرائيليا لا تتنافى ابدا بل تتكامل قطعا مع حقيقة اخرى، وهي اني قد ولدْتُ قبل ان اقيمت دولة اسرائيل بعشر سنوات. أنا لم اولد في الفضاء الخارجي، ولا في عرض المحيط، ولا في فراغ. أنا ولِدْتُ كما ولِدَ والدي ووالدتي واجدادي واجداد اجدادي، على بقعة ارض سُمِّيَت جغرافيا وتاريخيا وسياسيا ايضا، باسم فلسطين. كما ان اوراقي الثبوتية الرسمية الاولى، تحمل عنوان"حكومة فلسطين"، وبالتالي فانا فلسطيني شاء من شاء وابى من ابى". فضجّت القاعة بتصفيقٍ لم اتوقعه، اعقبه هدوءٌ مستمر مكّنني ومكّن زملائي بعدي، من تقديم مداخلاتنا دونما ازعاج حتى نهاية الندوة...
ما ان إنتهت الندوة، حتى رأيتُني أجدُ نفسي محاطا بالكثيرين الذين تقدموا لمصافحتي وشكري، بينهم كان رجلُ دينٍ مسيحي كما يُستدَل من ملبسه. بعد ان حيّاني وشكرني قدّم نفسه اليّ قائلا: "انا القسيس ماثيو (Matthew) خادم كتدرائية سانت البانز((Saint Albans Cathedral. يسرّني ان اسستضيفك واسرَتَك في كنيستي صباح يوم احد لتعارُفٍ متبادلٍ مع جمهورنا. وافقتُ على الفور لعدة اعتباراتٍ منها أنَّ مدينة سانت البانز(Saint Albans) قريبة من لندن وأنَّ يومَ الاحد يومُ عطلةٍ رسمية في الجامعة، اقضيه غالبا مع اسرتي، فضلا عن رغبتي في الانفتاح على البيئة الانكليزية، فتبادلنا ارقامَ الهواتف لتنسيق موعد الزيارة...وما هي إلّا بضعة ايام، وإذ بجرس الهاتف يرنُّ في بيتي في لندن، لاسمع القسيس ماثيو على الطرف الاخر من الخطّ، يقترح عليَّ "يوم الاحد بعد اسبوعين"، مؤكِّدا لي بانه يتطلع بشوق للتعرف ايضا على اسرتي (زوجتي واولادي الثلاثة) وموضحا لي ان سيارة خاصة ستكون بانتظارنا في محطة قطار مدينة سانت البانز لتنقلنا الى الكاتدرائية..
وصلنا مع بداية خدمة قداس الاحد الى تلك الكتدرائية الفخمة التابعة لمنظومة الكنيسة الانجليكانية (Church of England) التي نشأت في عهد الملك هنري الثامن في مطلع القرن السادس عشر. لاحظتُ ان تلك الخدمة وإن كانت تختلف كثيرا عن الطقوس المتّبَعة في كنائسنا المشرقية، إلا انها كانت مألوفة لي بفضل تشابهها مع طقوس الكنيسة اللاتينية التي كنتُ قد عرفتُها جيدا يوم كنت ُ طالبا داخليا في كلية تراسنطه في الناصرة، وبفضل دراستي الذاتية لتاريخ الكنيسة الانجليكانية وزياراتي الى العديد من كنائسها باعتبارها هي الاوسع انتشارا والاقوى نشاطا في انجلترا.
كانت الاجواء داخل الكتدرائية تعبق بالنغمات الساحرة المنبعثة من الاورغ الضخم، وباصوات المرنمين العذبة، فتذكرت مقولة كان يرددها المرحوم والدي: "الصوت الجميل يجلب الايمان". لكن قمة تلك الاحتفالية الدينية، كان تألق القس ماثيو في الوعظة التي القاها، ممّا عزّز قناعتي مرة اخرى، بتميُّز قساوسة الكنيسة الانجليكانية، لغةً والقاءً ومضمونا وحداثةً تشهد على عمق معرفة الواعظ وشمولية ثقافته وسعة اطلاعه ورسوخ ايمانه. يبدو لي ان جلال ذلك الموقف،
كان اضعف من ضعفي البشري، فلم يكبح أحساسي بالحسد، إذ وجدتني اتساءل: " لماذا قلّما نحظى في كنائسنا المشرقية بمثل هذا المستوى من رجال الاكليروس؟ أهذا هو ما نستحقه عملا بمقولة: "كما تكونوا يولّى عليكم"؟ أم هو نبوغ انكليزي عبّر عنه بسذاجةٍ احدُ "زعمائنا" بعد زيارته الاولى لمدينة لندن قائلا: "يا الله ما اشطر الانكليز، حتى اولادهم الصغار بحكو إنكليزي"؟ أم ان هناك حتما اسبابا اخرى؟... هذه التساؤلات بقيت معلقةً في الهواء، إذ قطعَ سيلَها اعلانُ القسيس عن نهايةِ خدمة القداس، وانتقالِ المصلين – كما هي العادة في كنائس العالم الغربي- الى الصالون المحاذي للكنيسة، لتناول المرطبات وتبادل الحديث تعزيزا للروابط الاجتماعية بين الناس... ممّا وفّر لي ولأسرتي ايضا، فرصةً رائعة لمقابلة الجمهور، سيما بعد ان اطلّ علينا القسيس ماثيو مبتسما وفاتحا ذراعيه تعبيرا عن فرحته بوجودنا، كما أصرَّ ان نرافقه الى بيته للتعرف على زوجته واولاده الذين سبقونا الى هناك...
قوبلنا بترحاب حار من زوجة القسيس واولاده الاربعة (بنتان وابنان) الذين يقاربون اولادي سنًّا حيث كانت اعمارهم تتراوح بين 5 – 14 سنة. تقارُبُ الاعمارِ ومعرفة اولادي للغة الانكليزية قد مهدا الطريق الى انسجام كامل بين الاولاد، كما انسجمت زوجتي ايضا وهي معلمة للغة الانكليزية مع زوجة القسيس. هذا الانسجام بشقيّه مكّننا (القسيس وانا) من الانزواء في غرفة مكتبه والاصح غرفة مكتبته الضخمة نظرا لكثرة ما تحويه من رفوف مكتظّة بالكتب، كما وفّر لنا فرصةً مريحة للتحدث في شتى المواضيع سيما في الامور الرعوية. لقد وجدتُ حديثَه لا يقلُّ متعة واثراءً من وعظته في الكنيسة، فازددتُ إصغاءً مستذكرا مقولة: "اذا كان التكلم مهارة فالاصغاء فنّا". لكن عندما سمعته يذكر، في معرض حديثه عن موقعه في هذه الكتدرائية، تعبيريّ "تعاقد" و "عقد عمل"، وجدت نفسي مضطرا ان اقطع حديثه متسائلا باستغراب: "عقد عمل؟ تعاقد؟ مع من؟". فاجاب: "مع مجلس الطائفة (Community Council)" مضيفا انه متعاقد لخمس سنوات وذلك بعد ان فاز بعطاء رسمي مفتوح كان قد اعلن عنه مجلس الطائفة، اي ان المجلس هو المشغِّل وهو المسؤول عن دفع راتب القسيس وكافة المخصصات التي يستحقها، والتي تمكنه ان يعيش واسرته، بكرامة بل ببحبوحة، ويتفرّغ كليا لخدمة النفوس، وتعفيه نهائيا من مد يده لاخذ رسوم مالية مقابل الخدمات الدينية (اكليل، عماد، جناز الخ...) التي يؤديها، تاركا تلك المهمة للمجلس، وذلك صونا لكرامته كرجل دين...
لاحظ القسيس ماثيو، كما يبدو لي، انني مرتاح لسماع هذه المعلومات، فاضاف باعتزازٍ بيّنٍ، ان كنيسته قررت ان تعبد سيدا واحدا هو الله، مشيرا بذلك الى قول السيد المسيح في انجيل لوقا(13:16): "لا يمكنكم ان تعبدوا الله والمال معا"، فحوّلت إدارةَ كافةِ الشؤون الماليّة الى مجلس الطائفة، إنطلاقا من قناعتها، بان الكنيسة الحقّة هي جماعة المؤمنين اكليروسا وعلمانيين، وانّ اصحاب الرتب العالية من رجال الدين، هم (على حدّ تعبير القسيس ماثيو): "رُعاةٌ لرَعايا لا رُعْيان لقِطْعان".
ويبقى السؤال، هل نستطيع بوعينا لحقوقنا وبحرصنا على اراضينا وبعدالة قضيتنا وبوحدة صفنا، ان نثبت لبعض السادة البطاركة والمطارنة ان العرب المسيحيين المشرقيين هم ايضا رعايا؟


للمزيد من مقالات

تعليقك على الموضوع